عبد الملك الجويني
82
الشامل في أصول الدين
معنى ، إذ لا معنى للتضمن إلا استحالة التعري عن الأكوان ، فآل محصول القول إلى أن الجواهر لا تتعرى عن الأكوان ، وتتعرى عن الألوان . وهذا رجوع إلى محض الدعوى . ومما تشبث به القاضي رضي اللّه عنه في « الشرح » أن قال : تعاقب الأعراض على الجواهر لازم ، ويستحيل المصير إلى إبطاله لتجويز التعري عن الأعراض ، كما يستحيل المصير إلى تجويز اجتماع المتضادات لما فيه من إبطال تعاقب الأعراض . وسبيل التحرير أن يقال : لما استحال بطلان التعاقب باجتماع المتضادات في حال استحال ذلك في كل حال . فكذلك إذا استحال بطلان تعاقب الأعراض بالتعري عنها بعد قيام الأعراض بالجواهر ، وجب أن يستحيل ذلك ابتداء ، ووجه القول فيه كما سبق . ومن ذهب مذهب الكعبي ، قامت عليه الأدلة الموجهة على البصريين ، وخص بما يوجه على الملحدة في الأكوان ، ولا معنى لإعادته . وأما الصالحي ، فتوجه عليه الأدلة المقامة على الدهرية والإسلاميين ، ويخص بضرب من الإلزام لا محيص له منه ؛ وذلك أنا نقول : إذا جوزت تعري الجواهر عن الأعراض ، فكيف تستدل على حدث الجواهر ، إذ لا سبيل إلى معرفة حدثها سوى ما قدمناه ، وكل مذهب يسد باب الاستدلال على حدث الجواهر ، فهو مردود . ومما يعم كافة مخالفينا من المنتمين إلى الإسلام أن نقول : قد اتفقنا على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى ، ولا دليل على ذلك إلا أن يقال : لو قبل الحوادث لم يخل منها ، وأنتم أفسدتم ذلك على أنفسكم . ولو حاولوا إثبات مرامهم بطريقة أخرى ، لم يجدوا إليها سبيلا . وقد ذكر الأستاذ أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق طريقة فقالا : إذا أدرك المدرك جوهرا ، ثم قام به سواد ، فأدركه مع السواد ، فيعلم تفرقة ضرورية بين حالتي الجوهر ، ولا تتعلق التفرقة إلا في شيئين . فدل أن التفرقة تعلقت بالسواد ولون آخر قبله ، إذ يستحيل أن تتعلق التفرقة بذات الجوهر والسواد ، إذ لو تعلقت التفرقة بهما لأدركهما المدرك مع استمرار السواد القائم بالجوهر . فوضح أن التفرقة المدركة بين حالتي الجوهر لم ترجع إلى ذات الجوهر والسواد ، وإنما رجعت إلى السواد ولون آخر قبله . وهذه الطريقة مدخولة عندي من وجهين : أحدهما أن للقائل أن يقول : إن التفرقة على الوجه الذي ادعيتموه غير مسلم [ بها ] ، بل أقصى ما فيه أن نرى الجوهر وحده ، ثم نرى معه لونا ، فنفصل بين رؤية شيء واحد وبين رؤية شيئين . والوجه الآخر أنا نجوّز أن يخلق اللّه لنا إدراكا متعلقا بالجوهر دون لونه ، ثم يخلق لنا